محمد أبو زهرة

37

المعجزة الكبرى القرآن

فكانت القراءة التي وعد اللّه تعالى نبيه صلى اللّه عليه وسلم هي الترتيل ، وهي تلك القراءات المأثورة عن صحابة النبي صلى اللّه عليه وسلم الذين تلقوها عن النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وقد رأيت أنه تلقاها عن ربه . وهذه القراءات نجد الاختلاف فيها مع أنها تنتهى جميعها إلى المورد العذب ، والمنهل السائغ ، وهو تلاوة النبي صلى اللّه عليه وسلم التي تلقاها عن ربه - ليس اختلاف تضاد في المعاني ، أو اختلاف تباين في الألفاظ بل يكون الاختلاف : أولا : في شكل آخر الكلمات أو بنيتها ، مما يجعلها جميعا في دائرة العربية الفصحى ، بل أفصح هذه اللغة المتسقة في ألفاظها ، وتآخى عباراتها ورنة موسيقاها ، والتواؤم بين ألفاظها ومعانيها . وثانيا : في المد في الحروف من حيث الطول والقصر ، وكون المد لازما أو غير لازم ، وكل ذلك مع التآخي في النطق في القراءة الواحدة ، فكل قراءة متناسقة في ألفاظها من حيث البنية للكلمة ، ومن حيث طول المد أو قصره . وثالثا : من حيث الإمالة ، والإقامة في الحروف ، كالوقوف بالإمالة في التاء المربوطة وعدم الإمالة فيها . ورابعا : من حيث النقط ومن حيث شكل البنية في مثل قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ ( 6 ) [ الحجرات : 6 ] فقد وردت فيها قراءتان متواترتان ، فتبينوا وقراءة أخرى « فتثبتوا » وهما متلاقيتان ، فالأولى طالبت بالتبين المطلق ، والأخرى بينت طريق التبين ، وهو التثبت بتحرى الإثبات ، فإن لم تكن طرق الإثبات ، ولا دليل على القول ، فإنه يرد الكلام ، ولا يتمسك بما قيل متظننا فيها من غير دليل ، وكلتا القراءتين مروية بسند متواتر ، لا مجال للريب فيه ، فكانت إحدى القراءتين مفسرة للأخرى . وخامسا : زيادة بعض الحروف في قراءة ، ونقصها في أخرى مثل زيادة الواو في قراءة ، وزيادة من في أخرى ، وهذه نادرة لم أرها إلا في حالتين اثنتين فقط ، فقد ذكر ابن الجزري إمام القراء المتأخرين المتوفى في سنة 823 ه . أن ابن عامر وهو من القراء السبعة يقرأ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً [ يونس : 68 ] وقرأ غيره : وَقالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً وإن حذف الواو ثابت في المصحف الشامي ، وكان ابن كثير يقرأ : ( تجرى من تحتها الأنهار ) وقراءة غيرها تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهارُ ، ومفهوم كلام ابن الجزري أن القراءتين متواترتان وأن هذا يؤدى إلى أمر جوهري ، وهو أن المصاحف في هذا الموضع ليست نسخا متحدة اتحادا كاملا منسوخة كلها من المصحف الإمام وهو المصحف الذي احتفظ به الإمام عثمان في دار الخلافة ، وقد اتفقت الروايات على أنه لم يكن